وهبة الزحيلي

261

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ومن لم يخش اللّه فليس بعالم . والمراد به العالم بعلوم الطبيعة والحياة وأسرار الكون . وسبب خشية العلماء من اللّه أن اللّه قوي في انتقامه من الكافرين ، غفور لذنوب المؤمنين به التائبين إليه ، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى ، وهذا يوجب الخوف والرجاء ، فكونه عزيزا ذا انتقام يوجب الخوف التام ، وكونه غفورا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ ، وهذا كله يدركه بدقة وشمول العلماء المتخصصون . قال ابن عباس : العالم بالرحمن : من لم يشرك به شيئا ، وأحلّ حلاله ، وحرّم حرامه ، وحفظ وصيته ، وأيقن أنه ملاقيه ، ومحاسب بعمله . وقال الحسن البصري : العالم : من خشي الرحمن بالغيب ، ورغب فيما رغّب اللّه فيه ، وزهد فيما سخط اللّه فيه ، ثم تلا الآية : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ . وقال سعيد بن جبير : الخشية : هي التي تحول بينك وبين معصية اللّه عز وجل . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : ليس العلم عن كثرة الحديث ، ولكن العلم عن كثرة الخشية . وقال مالك : إن العلم ليس بكثرة الرواية ، وإنما العلم نور يجعله اللّه في القلب . ثم أخبر اللّه تعالى عن العلماء بكتاب اللّه العاملين به ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ أي إن الذين يواظبون على تلاوة القرآن الكريم ويعملون بما فيه من فرائض ، كإقام الصلاة المفروضة في أوقاتها ، مع كمال أركانها وشرائطها والخشوع فيها ، والإنفاق مما أعطاهم اللّه تعالى من فضله ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، هؤلاء يطلبون ثوابا من اللّه على طاعتهم ، لا بد من حصوله ، لذا قال :